أحمد بن علي القلقشندي

107

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كرامته من الآراء المعظَّمة ولا ينكر بين الصالح والصّالح استمرار الكرامة ، وأنّ الصّدقات الشريفة أنعمت على مولانا بثلاثة أرؤس من الخيل كثلاثة الراح ، إلَّا أنّ حبابها عرق سبقها ، وثلاثة الشجر ( ؟ ) كما قال الطائي : تساوي شرف ثمرها وزهرها وعرفها ، ما منها إلا من ( 1 ) تقصر الرّياح أن تسلك فجّه ، والبروق أن تتبع نهجه . ومن تودّ الثّريّا أن تكون لجامه والهلال أن يكون سرجه . ومن يتمطَّر ( 2 ) كالغمام ويركض كالسّيل . ومن كملت حلاه ولبس حلَّه الفخار فمشى على الحالتين في الحلَّتين مسبل الذّيل . ومن عقد بناصيته كلّ الخير وعقد له لواء الفخار على كلّ الخيل ، من كلّ خضراء معجبة فهي على المجاز حديقة ، وكل أحمر سابق فهو البرقيّ على الحقيقة ، وكلّ أصفر شفقيّ إلَّا أنّ الرياح من مجاراته على نفسها شفيقة . وكيف لا يشبّه بالشّفق وهو من الأصائل ؟ وكيف لا يفتخر العسكريّ بهذه الخيل وخناصر عددها في الحسن أوائل ؟ قد صرفت وجوهها المقبّلة ، لباب مولانا أحسن المصارف ، وكتبت عوارف الفضل في معارفه المسبلة ، فناهيك منها بكتاب عوارف المعارف ، ووصل لمولانا بذلك مثال ( 3 ) شريف ، ورسم للمملوك بتجهيزها مع من يراه ، وقد جهّز المملوك لخدمة مولانا الخيل المذكورة مع المثال الشريف صحبة فلان ، ومولانا أدرى بنفحات رياض الحمد بهذه الدّيم المطلَّة ، وبالتقبيل في الأرض الَّتي هي سماء حوافر هذه الخيل الَّتي هي أهلَّة ، وأولى أن يشرّف المملوك بمهمّاته ، ويؤنس لحظه بطيف اليقظة من مشرّفاته ،

--> ( 1 ) كذا بالأصل باستعمال « من » في غير العاقل . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) في الأصل : « يتخطر كالغمام » ، ولعله مصحّف عما أثبتناه ؛ يقال : تمطَّر الفرس مطرا ومطورا إذا أسرع . القاموس المحيط ( مطر ) وحاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) اصطلح كتّاب الزمان على أن يقولوا فيما يصدر عن السلطان من عهد وتوقيع ومرسوم ومثال : « عهد شريف » ، و « توقيع شريف » ، و « مرسوم شريف » ، و « مثال شريف » ونحو ذلك . وبمعنى آخر ، جرت العادة أنه إذا دعت الضرورة إلى كتابة كتاب من ديوان الإنشاء يتعلَّق بديوان الوزارة أن تكتب به قائمة من ديوان الوزارة في ورقة ديوانيّة بما مثاله : « رسم بالأمر الشريف - شرّفه اللَّه تعالى وعظَّمه - أن يكتب مثال شريف إلى فلان الفلاني بكذا وكذا » انظر ج 6 من هذا المطبوع ص 187 ، 200 .